تفاصيل المقال

في ذكرى وفاته مطهر الإرياني.. حارس الهوية اليمنية

في ذكرى وفاته مطهر الإرياني.. حارس الهوية اليمنية

ثابت الأحمدي

ثابت الأحمدي

 

 

– ثابت الأحمدي

 

يرحل الكبار وتبقى مواقفهم شاهدة عليهم في هذه الحياة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ومن بين هؤلاء الكباء الذين نتذكرهم على الدوام، حارس الهوية الوطنية، ومجدد مجد السبئية والحميرية، ومقارع الكهنوتية والسلالية الأديب، المؤرخ، القاضي، والشاعر مطهر بن علي الإرياني، الشقيق الأكبر للدكتور عبدالكريم الإرياني، أحد صناع المشهد السياسي الكبار في اليمن خلال الخمسين سنة الماضية. وكلاهما ينتميان إلى إحدى بيوتات اليمن العريقة، المشتهرة بالعلم والقضاء، وقد قال البردوني عن هذه عراقة هذه الأسرة في العلم: "إن علامة بلوغ الطفل الإرياني هو نظم الشعر".!

 

وبهذه المناسبة أسجل خالص امتناني واعترافي بأني مدين لهذا الرجل، كونه أول من لفت انتباهي إلى تاريخ اليمن القديم بكنوزه الحضارية، وشجعني كثيرا على ذلك، منذ العام 2011م، حيث قابلته لأول مرة في أحد لقاءاتي الصحفية، ومن يومها لم أنقطع عنه، كما لم أنقطع حتى اللحظة عن قراءة تاريخ اليمن القديم؛ أما خلال العام 2013م فقد كنت أزوره كل يوم سبت فيما بين الساعة العاشرة صباحا إلى الساعة الواحدة، أستمع إليه في أكثر من فن، وأتذكر أنه طلب مني أن أتكلم بلهجتنا المحلية، ليتسنى له الوقوف على بعض الألفاظ الحميرية أو العربية الأصيلة التي لم "تتقمس" ولطالما وجهني بالنزول دائما إلى القرى والجلوس مع الآباء المعمرين والتقاط الكلمات الدارجة من أفواههم وتدوينها كاملة، مضيفا: "بلادكم لا تزال بكرا، ومن السهولة عليك جمع مادة علمية من قرية واحدة". وظل المشروع فكرة في ذهني ــ ولا يزال ــ إلا أن تقلبات الحياة لم تسمح لنا بتدوين ودراسة اللغة المحلية، كما لم تسمح له بزيارة ريمة، وقد وعدني مرارا بذلك، فقد داهمته أمراض الشيخوخة، وداهمنا الرحيل خارج الوطن، حتى فاجأني خبر وفاته وأنا بمكة المكرمة في مثل هذا اليوم قبل عامين.

 

لا أنسى هنا أن أسجل للتاريخ أنه كان ــ على كبر سنه ــ متابعا لكافة المستجدات السياسية، ممتعضًا بكل تحسر من ملامح عودة أصوات الإمامة إلى الساحة، مرددا: "هؤلاء بلوة اليمن". ولطالما نصحني: "يا ولدي.. إذا لم تكونوا جاهزين بمشروعكم لبناء بلدكم فإن الإماميين جاهزين بمشروعهم". كنت أتهمه بالمبالغة أحيانا، وأقول له: يا عم مطهر: الإمامة انتهت. فرد علي وهو يتناول باكت السجارة "الروثمان" من جواره: إن بقاء شُعيرة سرطانية واحدة في الجسم بعد أية عملية للسرطان سبب لعودة السرطان من جديد.. لم ينتهوا.. وما دمتم تعتقدون أنهم انتهوا فهذه مشكلة".
سألته ذات مرة: هل أنت راضٍ عن مشوارك السياسي والعلمي؟ قال: إلى حدٍ كبير نعم. لكن ما فشلت فيه أني لم أستطع تأسيس مركز بحثي خاص بتاريخ اليمن القديم. سألته: ما السبب؟ تنهد نهدة، وأدار رأسه قائلا: "عبدالكريم".!! ورغم أنه فتح لي أبوابا أخرى للأسئلة إلا أني لم أسأله خشية أن أضايقه بها، فقد فهمت المغزى.

 

ــ في آخر جلسة لي معه في العام 2014م ونحن نتناقش في تاريخ الإمامة، فاجأني بفتح الدولاب خلفه، ليخرج منه مخطوطا كبيرا، قال لي: هذا ديوان شعر والدي رحمه الله، جمعته منذ الستينيات، ولا يزال مخطوطا إلى اليوم، وفيه العديد من القصائد التي تسجل ظلم الإمامة للناس في مناطقنا. نسيت كل شيء، وسألته وكلي اندهاش وتعجب: يا عم.. لقد حكمتم اليمن، ولم تطبعوا ديوان والدكم..!!.. "عبدالكريم".. هكذا رد علي..!!
المفاجأة الثانية أيضا التي فاجأني بها أن الدكتور عبدالكريم الإرياني شاعر. وابتدأ حياته العلمية بالشعر إلا أن السياسة أخذت منه الشعر..!

 

للقاضي والمؤرخ والأديب مطهر الإرياني من الأعمال الفنية والتاريخية الكثير، وجميعها تأتي في إطار صناعة الذات اليمنية واستعادة الهوية التاريخية، فالرجل مطلع على تاريخ اليمن قديمه وحديثه حد التشرب لكافة تفاصيله، ومطلع على تفاصيل اللهجات المحلية التي أفرد لها كتابا خاصة بها، ولا تزال قصائده الغنائية إلى اليوم أشبه بتراتيل يومية عند مختلف الشرائح اليمنية. وقصيدة "البالة" واحدة من القصائد التاريخية والأدبية معا التي تحكي تفاصيل فترة مظلمة من تاريخ الإمامة بعفنها ونزقها المقيت.

 

أما عن العمل الأدبي والتاريخي الأكبر والذي يشبه الإلياذة اليونانية أو المهابهارتا الهندية أو الشهنامة الفارسية فهي "ملحمة المجد والألم" التي ستظل قلادة عز وفخر، ووساما على صدر كل جيل يمني، فهي التي لخصت مجد وحضارة اليمن، كما لخصت سوء وجناية الإمامة على اليمن واليمنيين.

التعليقات 0:

تعليقك على المقال