تفاصيل المقال

عندما تُختزل العروبة والإسلام في خرافة الولاية

عندما تُختزل العروبة والإسلام في خرافة الولاية

فتحي أبو النصر

فتحي أبو النصر

 

في زمن الانهيارات الكبرى، هناك دوماً نوعية من البشر يُثيرون الاشمئزاز أكثر من الفاعل الأصلي للجريمة. أولئك الذين لا يكتفون بالمراقبة الصامتة للخراب، بل يدافعون عنه تحت شعارات براقة، يختبئون خلف مصطلحات مستهلكة مثل "العروبة" و"الإسلام" وهم في الحقيقة مجرد أبواق رخيصة لتبرير الهيمنة الكهنوتية لمليشيا الحوثي.

 

 

لنفترض للحظة أن هناك من لم يسمع بعد بحقائق المليشيا الحوثية، تلك الجماعة التي تسعى لاستنساخ نظام ولاية الفقيه في اليمن، ولكن بنسخة رديئة تفوح منها روائح القرون المرعبة.

والواقع أن هذه المليشيا لم تأتِ ببرنامج تنموي، ولا بمشروع وطني، بل جاءت بقائمة طويلة من الفتاوى التي تبيح استعباد اليمنيين تحت ذريعة "آل البيت" و"السلالة الطاهرة"، متجاهلة أن اليمني الجمهوري لم يكن يوماً ليقبل بوصاية رجل دين، ناهيك عن عصابة تتوارث الجهل والدمار.

ما أعنيه وسط هذه الكارثة، ينبري بعض أدعياء العروبة للدفاع عن الحوثيين باعتبارهم "جزءً من النسيج العربي" و"مقاومة للهيمنة الغربية"، متناسين أن هذه المليشيا هي مخلب إيران في خاصرة العرب، وأنها تسببت في دمار اليمن كما لم تفعل أي قوة استعمارية في تاريخه الحديث.

على أن هؤلاء لا يختلفون في شيء عن أولئك الذين وقفوا مع المحتلين في لحظات الحرب، مرددين عبارات مخجلة عن "المصالح المشتركة" و"التوازنات الإقليمية".

 

 

لكن السؤال الحقيقي هو: هل هؤلاء أغبياء حقاً، أم أنهم مجرد مرتزقة يختبئون خلف أقنعة رديئة؟ فالعروبة التي يزعمون الدفاع عنها لم تعد بالنسبة لهم سوى وسيلة لتبرير الجرائم، والإسلام الذي يرفعونه شعارا ليس سوى غطاء لتمرير الأوهام الإمامية المتخلفة التي تنظر إلى اليمني ككائن من الدرجة الثانية إن لم يكن من "السلالة".

أما الإسلام الذي يتغنون به، فليس هو الإسلام الذي دعا للعدل والمساواة، بل نسخة ملفقة تتوافق مع تصورات "السادة" عن "العبيد والرعية". هذا الإسلام المحرف يبرر لهم نهب أموال الناس بالباطل تحت مسمى "الخُمس"، ويبرر لهم استعباد القبائل تحت مسمى "التعبئة"، ويبيح لهم قتل المعارضين باعتبارهم "كفار تأويل". وهنا لا يملك المدافعون عنهم سوى تكرار أكاذيب ساذجة من نوع "المقاومة ضد الصهيونية"، بينما الحوثي لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل، لكنه قصف بيوت اليمنيين بلا رحمة، وقتل الأطفال بدم بارد، وهدم المدارس والمساجد واستبدلها بدورات ثقافية لتدجين العقول.

 

 

وحتى صواريخهم التي يتفاخرون بإطلاقها في البحر الأحمر أو باتجاه إسرائيل، فهي ليست من مصلحة اليمنيين في شيء، فهذه المغامرات المجنونة لا تخدم سوى مشاريع إيران التوسعية، بينما يدفع الشعب اليمني الثمن من أمنه واستقراره. نحن لسنا أدوات في حروب الآخرين، ولن نكون وقودا لمخططات لا تعنينا.

وفي الوقت الذي ينفقون فيه المليارات على حروبهم وصواريخهم، لم يدفعوا رواتب الموظفين منذ قرابة عقد، تاركين ملايين اليمنيين في معاناة يومية، بينما يتنعم قادتهم بثروات منهوبة.

 

 

والحق أقول لكم: إن هؤلاء "العروبيين" ليسوا سوى مرتزقة مؤدلجين، طبعا ، يبيعون مواقفهم لمن يدفع أكثر، ثم يلبسونها أثواب العفة والبطولة. فالعروبة الحقيقية ليست تبريرا لمجازر الكهنوت، وليست دعما لمن يسرق الدولة ويفخخ المجتمع.

 

أما الإسلام، الحقيقي ، فليس أداة لتمرير نظريات الاصطفاء العنصري، ولا منصة لتكريس التفوق السلالي.

 

من هنا فإن المدافع عن ال..حوثيين باسم العروبة والإسلام، ليس سوى حقير صغير يحاول أن يبدو عظيما في مرايا كاذبة.

 

 

والحقير، كما هو معروف، لا يرى في الكرامة شيئا ذا قيمة، بل يراها عقبة في طريق الاسترزاق السياسي والمزايدة القذرة.

 

بل إن هذا النوع من البشر سيظل عالقا في مستنقع تبرير الجرائم، غير مدرك أن التاريخ لا يرحم، وأن الخزي الذي التصق به لن تزيله ألف حملة إعلامية أو ألف خطاب أجوف عن "الهوية الإيمانية". وكذلك حين يعيد التاريخ فرز الأبطال من الأنذال، سيكتشف هؤلاء أن كل صرخاتهم الجوفاء لم تكن سوى ضجيج غير ضروري في مشهد يمني يمضي نحو تطهير نفسه من الكهنوت ومن حُقراء الزمن الرديء.

التعليقات 0:

تعليقك على المقال